
يُروى في سالف العصور والأزمان، أن سلطاناً من السلاطين، اشتهر بجمع النفائس والجواري الحسان، وصلت إلى مسامعه أخبار عن جارية تُعرض في سوق النخاسة بسعر خيالي، يتجاوز سعر مئة جارية من أجودهن. استغرب السلطان هذا التقييم المرتفع، وأثار فضوله معرفة ما الذي يجعل قيمة هذه الفتاة تفوق كل هذا القدر. فأرسل في طلبها على الفور، لتَمثل بين يديه في قصره المنيف.
-
يوم فرحي حكايات انجي الخطيب الاولمنذ 4 أيام
-
امرأة في غيبوبة منذ أربع سنواتمنذ 4 أيام
-
ولدت ضرتي في نص الليلمنذ 5 أيام
دخلت الجارية إلى قاعة العرش، ولم تكن كباقي الجواري؛ فقد دخلت بوقارٍ يغلفه شموخٌ لم يعهده السلطان من قبل في فتيات السوق، ونظراتها تعكس ثقةً لا تتزعزع. بادرها السلطان بسؤاله الذي يضمر تحدياً: “يا هذه، بلغني أن سعرُكِ أغلى من مئة جارية، فما الذي يميزكِ عن سواكِ؟”. أجابت الجارية بهدوء واتزان: “سيدي، أنا أتميز بالذكاء والفطنة، وهذا هو رأس مالي”.
لم يرق للسلطان هذا الرد المباشر، فأراد اختبارها بأسئلة فلسفية عميقة، وقال لها بلهجة حازمة: “سأطرح عليكِ أسئلة، إن أدركتِ إجابتها أعتقتكِ، وإن عجزتِ عن الرد فمصيرُكِ القتل”. ثم سألها عن جوهر الحياة: “ما هو أجمل ثوب، وأطيب ريح، وأشهى طعام، وأنعم فراش، وأجمل بلد؟”.
لم تتردد الجارية، بل التفتت إلى الحاضرين وقالت بثقة: “حضروا لي متاعي وفرسي، فإني مغادرةٌ هذا القصر، وقد أصبحتُ حرة بفضل عقلي”. ثم بدأت بسرد إجاباتها التي أذهلت الجميع:
“أما أجمل ثوب، فهو قميص الفقير الوحيد الذي لا يملك غيره؛ فهو يراه مناسباً للشتاء والصيف، يستر عورته ويحمي كرامته. وأما أطيب ريح، فهي رائحة الأم؛ فهي تطغى على كل الروائح، حتى ولو كانت تعمل في أقسى الظروف، فرائحتها تظل دوماً عنواناً للحنان والسكينة. وأما أشهى طعام، فهو ما كان على جوع؛ فالجائع لا يجد لذة في أطايب الطعام بقدر ما يجدها في كسرة خبز يابسة تسد رمقه. وأما أنعم فراش، فهو ما نمت عليه وبالك مرتاح، فلو كنت ظالماً لرأيت فراش الذهب شوكاً من تحتك، ولأرقك الندم في كل ليلة”.
بهر السلطان بجوابها، لكنه تذكر أنها لم تجب على السؤال الأخير، فناداها وهي تسير نحو الباب: “لم تجيبي عن سؤالي الأخير!”. التفتت إليه الجارية، وقالت بصوتٍ شجاع يعبر عن حكمة عميقة: “أما أجمل بلد، فهو الوطن الحر الذي لا يحكمه الجهلة، فالحرية والعدل هما ما يجعلان من الأرض وطناً يستحق الحياة”.
بهت السلطان لهذا الجواب الذي يجسد حكمةً سياسية واجتماعية راقية، وأدرك أن ذكاءها يفوق قدرته على الامتلاك. أوفى السلطان بوعده، وأعلن عتقها، معترفاً بأنها صدقت في قولها؛ فالوطن الذي يزدهر هو الذي تدار شؤونه بالحكمة والعلم، لا بالجهل والتسلط. خرجت الجارية حرة طليقة، تاركةً خلفها درساً في قيمة العقل الذي يحرر الإنسان ويسمو به فوق أطماع الدنيا.








