قصص و روايات

قرية النخيل

في قلب صعيد مصر، وتحديداً في قرية “النخيل” الهادئة التابعة لمحافظة سوهاج، حيث البساطة هي العنوان الأبرز لحياة الأهالي، وقعت واحدة من أكثر عمليات النصب دهاءً وذكاءً في التاريخ الجنائي المصري الحديث. لم تكن مجرد عملية احتيال عادية، بل كانت “مسرحية” متقنة الإخراج، استغل فيها “نصّاب محترف” بساطة الناس وأحلامهم في حياة أفضل، ليحول يوم الجمعة في عام 2018 إلى ذكرى لا تُنسى في سجلات المباحث.

 

وصول “الشيخ” الموعود
بدأت الحكاية في ظهيرة يوم جمعة حار، وبينما كان المصلون يتوافدون إلى مسجد القرية البسيط، توقفت سيارة فارهة، لم يعتد أهل القرية رؤية مثيلاتها في طرقاتهم الترابية. نزل منها رجل في كامل أناقته، يرتدي ملابس فاخرة تفوح منها أغلى العطور، ويخفي عينيه خلف نظارة شمسية غامضة. دخل المسجد بهدوء، وجلس بين المصلين، فالتفتت إليه الأنظار بفضول لا يخفى على أحد.

بعد انتهاء الصلاة، قام الرجل وصعد إلى المنبر بثقة تامة، وعرف نفسه بأنه “أبو عبد الله”، مدير أعمال الشيخ “حمد” من دولة الإمارات. استطاع الرجل بكلماته المعسولة أن يغزو قلوب المصلين حين قال: “جئتكم بتكليف من الشيخ حمد، نبحث عن القرى الأكثر فقراً لنتبرع لها، ولم نجد أفقر ولا أكرم من قريتكم”.

في تلك اللحظة، أشار إلى سائقه الذي أحضر حقيبة مليئة بالمال. كانت 50 ألف جنيه، مبلغ ضخم في ذلك الوقت (2018)، لتطوير المسجد. اختار الأهالي شيخ المسجد ليكون الأمين على هذا المال، وخرج “أبو عبد الله” وسط دعوات المصلين الذين كانوا ينظرون إليه كـ “ملاك رحمة” هبط عليهم من السماء.

من تطوير المسجد إلى “وهم” دبي
لم تتوقف الحكاية عند هذا الحد. عاد “أبو عبد الله” في الجمعة التالية، وكان المسجد قد شهد بالفعل بعض التجديدات من المبلغ الأول. هنا، صعد للمنبر مجدداً، وأعلن عن تبرع ثانٍ بقيمة 20 ألف جنيه، مستعرضاً صوراً للمسجد قبل وبعد التطوير، مدعياً أنه يرسلها للشيخ حمد. وعندما أظهر كرمه المفرط واهتمامه بالأرامل والأيتام، أصبح بطلاً شعبياً لا يُشق له غبار.

استغل “أبو عبد الله” هذا الحب، وبدأ في فتح باب “الأحلام”. حين سأله الأهالي عن فرصة عمل لأبنائهم في الخليج، لم يتردد في الوعود. وبعد أيام، أعلن عن “مزرعة ضخمة” يمتلكها الشيخ حمد بجوار برج خليفة في دبي، تحتاج لآلاف العمال من شباب القرية. وضع “الطُعم” بعناية: “الشيخ حمد يتكفل بكل شيء (تأشيرات، عقود، تذاكر طيران، كشف طبي)، والمطلوب فقط 5 آلاف جنيه رسوم إدارية بسيطة”.

كرة الثلج التي ابتلعت 25 مليوناً
كانت الفرحة عارمة، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم. باع الأهالي أثاث منازلهم، وذهب زوجاتهم، واستدانوا من أجل تأمين المبلغ المطلوب، ليس فقط في قرية النخيل، بل في القرى المجاورة. وفي غضون أسابيع، تحولت القرية إلى خلية نحل، وجمع “النصّاب” ما يقرب من 25 مليون جنيه من آلاف الشباب الطامحين في السفر.

كان “أبو عبد الله” يوزع عقوداً مطبوعة بمهارة فائقة، مزودة بعلامات مائية وأختام تبدو رسمية للغاية، ويأخذ جوازات السفر ليختمها من السفارة، ويطلب من الشباب الانتظار لمدة أسبوعين. ولكن، بعد انقضاء الأسابيع، اختفى الرجل تماماً. وعندما حاول الأهالي الاتصال به، وجدوا هاتفه مغلقاً، وكانت الصدمة الكبرى: الرقم مسجل باسم سيدة متوفاة منذ سنوات!

كشف المستور: العفريت الذي اختفى في الجدار
تحركت الأجهزة الأمنية فور تلقي البلاغات، وبدأت رحلة تعقب “العفريت”. اكتشفت المباحث أن الأوراق مزورة باحتراف، وأن المطبعة التي طبعت العقود هي الخيط الوحيد. تم القبض على السائق، الذي تبين أنه شاب بسيط تم استغلاله، وأرشد رجال الأمن إلى مسكن “أبو عبد الله”.

المفاجأة لم تكن في القبض عليه، بل في كيفية اختفائه! اقتحمت القوات الشقة عدة مرات ولم تجد أحداً، حتى ظنوا أنهم يطاردون شبحاً. ولكن بذكاء المحققين، تم نصب كمين محكم بمساعدة سيدة كانت تتواصل معه، ليتم القبض عليه أخيراً وهو يحاول الهرب.

في التحقيقات، كشف اللص عن “أذكى حيلة”: كانت الشقة تحتوي على فرن بوتاجاز ضخم مثبت في الحائط، خلفه فتحة تؤدي إلى غرفة سرية معزولة داخل العمارة، كان يختبئ فيها ويغلقها من الداخل بذكاء شديد. تبين أن المتهم شاب بسيط يعمل “فني تكييفات”، لكنه يمتلك موهبة تمثيلية فذة استغلها في “أكبر خدعة في الصعيد”.

النهاية العادلة
قُدم “النصّاب” إلى المحاكمة، وصدر حكم بسجنه 15 عاماً. ورغم استرداد السلطات لجزء من الأموال (عقارات وذهب)، إلا أن الدرس الذي تركه خلفه كان قاسياً. لقد أكد اللواء أشرف عبد العزيز، الذي أشرف على التحقيق، أن هذا الشاب كان من أذكى من واجههم في حياته المهنية.

تظل قصة “أبو عبد الله” عبرة لكل طامع في “الثراء السريع”، وتذكيراً بأن الأحلام التي تُبنى على “الرسوم” و”الوعود البراقة” دون أساس قانوني حقيقي، غالباً ما تنتهي بانهيار كل شيء. عزيزي القارئ، هل تعتقد أن دهاء هذا النصاب كان سيستمر لفترة أطول لو لم يخطئ في تفصيلة “ظرف المطبعة”؟

زر الذهاب إلى الأعلى